ابن عجيبة

429

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ، كانوا يستنجون بالماء ، ويجمعون بين الماء والحجر ، أو يتطهرون من المعاصي والخصال المذمومة ، طلبا لمرضات اللّه تعالى ، أو من الجنابة ، فلا ينامون عليها ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ؛ يرضى عنهم ، ويدنيهم من جنابه إدناء المحب لحبيبه . وقيل : لما نزلت مشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعه المهاجرون ، حتى وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : « أمؤمنون أنتم ؟ فسكتوا ، فأعادها ، فقال عمر : إنهم مؤمنون وأنا معهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : أترضون بالقضاء ؟ فقالوا : نعم ، قال : أتصبرون على البلاء ؟ قالوا : نعم ، قال : أتشكرون في الرّخاء ؟ قالوا : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : مؤمنون وربّ الكعبة . فجلس ، ثمّ قال : يا معشر الأنصار ، إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أثنى عليكم ، فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط ؟ فقالوا : يا رسول اللّه ، نتبع الغائط الأحجار الثّلاثة ، ثم نتبع الأحجار الماء . فقال : رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا » « 1 » . أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ ؛ بأن قصد به وجه اللّه ، وابتغاء مرضاته ، فحسنت النية في أوله ، خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى قصد الرياء والمنافسة ، فكأنه بنى على شَفا أي : طرف جُرُفٍ : حفرة هارٍ أي : واه ضعيف ، أشرف على السقوط ، أو ساقط ، فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ أي : طاح في جهنم ، وهذا ترشيح للمجاز ، فإنه لما شبهه بالجرف وصفه بالانهيار ، الذي هو من شأن الجرف ، وقيل : إن ذلك حقيقة ، وإنه سقط في جهنم ، وإنه لم يزل يظهر الدخان في موضعه إلى قيام الساعة . والاستفهام للتقرير ، والذي أسس على التقوى والرضوان : هو مسجد قباء ، أو المدينة ، على ما تقدم ، والذي أسس على شفا جرف هار هو مسجد الضرار ، وتأسيس البناء على التقوى هو تحسين النية فيه ، وقصد وجه اللّه ، واظهار شرعه ، والتأسيس على شفا جرف هار هو فساد النية وقصد الرياء ، والتفريق بين المؤمنين ، وذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البالغ . قاله ابن جزى . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى ما فيه صلاح ونجاة . لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ أي : مبنيهم ، مصدر بمعنى المفعول ، الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً أي : شكا ونفاقا فِي قُلُوبِهِمْ ، والمعنى : أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم ، فإنه حملهم على ذلك ، ثم لمّا هدمه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد ، بحيث لا يزول رسمه من قلوبهم ، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ أي : تتقطع قُلُوبِهِمْ

--> ( 1 ) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : لم أجده هكذا ، وكأنه ملفق من حديثين ، فإن صدر الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس إلى قوله ( ورب الكعبة ) ، وروى بقيته ابن مردويه . انظر الفتح السماوي ( 2 / 704 ) .